السيد عباس علي الموسوي

238

شرح نهج البلاغة

عليها يمكن الحكم بالإيمان الصحيح وبها توزن قوته وضعفه وقلقه واستقراره . . . بعض الناس يعبدون اللّه حالة ضعفهم وفقرهم وبؤسهم وشقائهم . . عندما تشتد الأزمات عليهم وتحيط بهم يتوجهون إليه يستنجدون به ويستجيرون به . . ترتفع أصواتهم بالدعاء والنداء . . في حالة الفقر تراهم لا يقطعون جمعة ولا جماعة . ولا يفارقون تجمعات المؤمنين ومجالسهم ولكن عندما تأتيهم الدنيا وتقبل عليهم ويحسون بلذتها ويتذوقون طمعها يتنكرون للإيمان وتنطفيء جذوته في نفوسهم ولا يعودون يذكرون اللّه إلا قليلا - عفوا - بل قد ينسون اللّه تماما ويتنكرون لمجالسهم التي تربوا فيها وعاشوا في أكنافها . . وفي زمن النبي حادثة وقصة مرت على رجل يسمى ثعلبة فيها عبرة للذين اغتنوا بعد فقر فبطروا وكفروا فأنزل اللّه فيه وفيهم آيات يتلوها الناس ويذكرون قصته . . . ثعلبة بن حاطب كان من الأنصار - فقيرا - قال للنبي ( ص ) أدع اللّه أن يرزقني مالا . فقال له النبي ( ص ) : يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه أما لك في رسول اللّه أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت ثم أتاه بعد ذلك فقال له يا رسول اللّه : أدع اللّه أن يرزقني مالا والذي بعثك بالحق لئن رزقني اللّه لأعطين كل ذي حق حقه . فقال النبي ( ص ) : اللهم ارزق ثعلبة مالا ، فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها ثم كثرت نموا حتى تباعد عن المدينة فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة وبعث إليه رسول اللّه المصدق ليأخذ الصدقة فأبى وبخل وقال : ما هذه إلا أخت الجزية . فقال رسول اللّه ( ص ) : يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة فأنزل اللّه فيه قوله تعالى : ( 1 ) وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فضَلْهِِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فضَلْهِِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يلَقْوَنْهَُ بِما أَخْلَفُوا اللّهَ ما وعَدَوُهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ . فالمسلم هو الذي يعبد اللّه في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء . .

--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية - 75 - 76 .